العلامة المجلسي ( تعريب : ميلاني )

24

عين الحياة

وهنا التفاتة لطيفة وهو انّ من المستحيل استغناء الانسان بل كلّما ازداد غنى ازداد احتياجا ، فلذا لم يقل : لما استغنى ، بل قال : أن رآه استغنى ، أي زعم انّه استغنى . وطلب اللّه العبادة لجعلها وسيلة للسعادة ، وقرّر المعاصي كي يصل الانسان إلى السعادة بتركها ، وربما جعل شخص العبادة وسيلة الشقاء وجعل المعصية وسيلة السعادة بتركها أو بالتوبة والندامة ان ارتكبها غفلة وجهلا ، فيصل إلى أعلى مراتب الكمال ، ولولا خلق المعصية لا يؤجر الناس بتركها ويثابون ، وأنّي يكون العجز والانكسار من التائبين ؟ ولولا ترك الأولى من آدم وداود وسائر الأنبياء عليهم السّلام فمن أين يحصل ذلك البكاء والنحيب الموجب للقرب والكمالات اللامتناهية ؟ ولقد جاء في الأثر إنّكم إن لم تذنبوا ولم تقدروا على الذنب لخلق اللّه خلقا آخر قادرا على الذنب كي يعصي ويذنب ، انّ الكلام هنا دقيق جدا والعقول قاصرة عن ادراك هذا المعنى على الأكثر . لكن لو تفكّرت مليّا لوجدت انّ كلّما خلقه اللّه في هذا العالم فهو لطف وخير وعين الصلاح للعباد ، لكن العباد يستعملونه في غير ما وضع له ، كما لو أعطى كريما إلى رجل دارا كبيرا وجعل فيه كل ما يحتاج إليه وبنى له إلى جنب ذلك جبّا ، فلو ترك هذا الرجل الدار المنيفة وجعل من الجبّ سكنا له فأيّ لوم على هذا الكريم ؟ وعدم التفكر في هذه المسائل التي هي من فروع مسائل القضاء والقدر أفضل ، والعلم الاجمالي بأنّ اللّه تعالى عليم حكيم لا يظلم ، وما يفعله عين الصواب والحكمة ، لأنّ التفكر في هذا الباب يوجب الزلل ، وانّ أكثر العقول لم